سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي

178

الإكسير في علم التفسير

لتعجبهم من فعلهم وكفرهم ؛ إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة ، إذ الإنسان يحب نفسه ، لا ينكر عليها ولا يستعظم منها العظائم ، بل من غيره ، ودليله في الحديث « ما بال أحدكم يرى القذاة في عين أخيه ، ولا يرى الجذع في عين نفسه » « 1 » . وفي الشعر : أرى كل إنسان يرى عيب غيره * ويعمى عن العيب الذي هو فيه وذكر ابن الأثير « 2 » من ذلك قوله تعالى : إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ « 3 » معناه : وتقطعتم عطفا على الأول ، لكن التفت إلى أسلوب الغيبة كأنه ينعى عليهم كفرهم ، وافتراقهم إلى قوم آخرين ، وتقبحه عندهم ؛ مبالغة في تبكيتهم ، ثم توعدهم بالرجوع إليه ، وهذا وإن كان محتملا ، إلا أن ظاهر الكلام وسياقه خلافه ، وهو أنه تعالى خاطب المؤمنين بأن الأمة واحدة ، وأنه الرب المستحق بأن يبقى ويعبد ، ثم أخبر المؤمنين عن الكافرين بأنهم تقطعوا أمرهم بينهم وأنهم فرقوا دينهم وكانوا شيعا . وعدلوا بالعبادة والتقوى عن مستحقها ، ووضعوها في غير حقها ، وفعلوا من التقوى خلاف ما يقتضيه اتحاد الأمة ، واللّه أعلم . الضرب الثاني : المعدل عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر ؛ تهاونا بصاحبه ، أو تعظيما « 4 » لشأنه .

--> ( 1 ) جاء في اللسان وفي الحديث « يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ويعمى عن الجذع في عينه » ضربه مثلا لمن يرى الصغير من عيوب الناس ويعيرهم به ، وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة . والقذى جمع قذاة وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تين أو وسخ أو غير ذلك . مادة قذى . ( 2 ) الجامع الكبير ص 100 ( 3 ) سورة الأنبياء آية 93 ( 4 ) في الأصل وتعظيما لشأنه وهذا لا يستقيم .